أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
463
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : صَفًّا . حال من مرفوع « عُرِضُوا » وأصله المصدرية ، يقال منه : صفّ يصفّ ، ثم يطلق على الجماعة المصطفّين . واختلف - هنا - في « صَفًّا » هل هو مفرد وقع موقع الجمع ، إذ المراد صفوفا ، ويدلّ عليه الحديث الصحيح : « يجمع اللّه الأوّلين والآخرين في صعيد واحد صفوفا » ، وفي حديث آخر : « أهل الجنّة مائة وعشرون صفّا » . وقال يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا « 1 » ، يريد : صفّا صفا ، ومثله : قوله في موضع : وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا « 2 » ، وقال : يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا « 3 » . يريد : صفّا صفّا بدليل الآية الأخرى ، فكذلك هنا . وقيل : « بل كلّ الخلائق يكونون صفّا واحدا ، وهو أبلغ في القدرة ، وأما الحديثان فيحملان على اختلاف أحوال ، لأنه يوم طويل كما شهد له بقوله : مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ . فتارة يكونون فيه صفّا واحدا ، وتارة صفوفا . قوله : لَقَدْ جِئْتُمُونا على إضمار قول أي : وقلنا لهم كيت وكيت ، وتقدم أنّ هذا القول هو العامل في : « يَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ » ، ويجوز أن يضمر هذا القول حالا من مرفوع « عُرِضُوا » ، أي : عرضوا مقولا لهم كذا . قوله : كَما خَلَقْناكُمْ أي : مجيئا مشبها لخلقكم الأول حفاة عراة غرلا ، لا مال ولا ولد معكم . وقال الزمخشري : « لقد بعثناكم كما أنشأناكم أول مرة » ، فعلى هذين التقديرين يكون نعتا للمصدر المحذوف ، وعلى رأي سيبويه « 4 » يكون حالا من ضميره . قوله : أَلَّنْ نَجْعَلَ أن : هي المخففة من الثقيلة ، وفصل بينها وبين خبرها ، لكونه جملة فعلية منصرفة غير دعاء بحرف النفي . و « لَكُمْ » يجوز أن يكون مفعولا ثانيا للجعل بمعنى التصيير . و « مَوْعِداً » هو الأول ، ويجوز أن يكون معلّقا ب « الجعل » ، أو يكون حالا من « مَوْعِداً » إذا لم يجعل الجعل تصييرا ، بل بمعنى مجرد الإيجاد ، و « بَلْ » في قوله : « بَلْ زَعَمْتُمْ » لمجرد الانتقال من غير إبطال . قوله : وَوُضِعَ الْكِتابُ . العامة على بنائه للمفعول ، وزيد بن علي ببنائه للفاعل ، وهو اللّه ، أو الملك ، و « الْكِتابُ » منصوب مفعولا به ، و « الْكِتابُ » جنس للكتب ، إذ من المعلوم أنّ لكلّ إنسان كتابا يخصّه . وقد تقدم الوقف على « ما لِهذَا الْكِتابِ » وكيف فصلت لام الجرّ من مجرورها خطأ في سورة النساء ، عند قوله : فمال هؤلاء القوم . . . « 5 » الآية . و « لا يُغادِرُ جملة حالية من « الْكِتابُ » ، والعامل الجار والمجرور ، لقيامه مقام الفعل ، أو الاستقرار الذي تعلّق به الجار . قوله : إِلَّا أَحْصاها في محل نصب نعتا ل « صَغِيرَةً ، و كَبِيرَةً » ، ويجوز أن تكون الجملة في موضع المفعول الثاني ، لأنّ « يُغادِرُ » بمعنى : يترك ، ويترك قد يتعدى لاثنين كقوله : 3201 - . . . . . . . . . . . . . . . . . . * فقد تركتك ذا مال وذا نسب في أحد الوجهين .
--> ( 1 ) سورة النبأ آية ، ( 38 ) . ( 2 ) سورة الفجر آية ، ( 22 ) . ( 3 ) سورة النبأ آية ، ( 38 ) . ( 4 ) انظر الكتاب ( 1 / 226 ) . ( 5 ) انظر آية ، ( 78 ) .